محمود محمود الغراب

69

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

قلنا من شهود الوجود ، وقولنا « فليست إلى أحد تنسب » لأن المعدوم لا ينسب ، ولكن المحب يطلبه لنفسه ، ثم تمننا فقلنا في آخر القصيدة : فقد وجب الشكر للّه إذ * هي البكر لي وأنا الثيب لأن المحبوب وجد عن عدم فهو بكر ، وقد كنت أحببت قبل ذلك فأنا ثيب . فإذا كان المحبوب - الذي هو المعدوم - إذا وجد لا يوجد في موجود يتصف بالإرادة ، لم يتصف هذا المحب بأنه يريده له ، فيحبه لنفسه بالضرورة كالحب الطبيعي ، فإذا كان المحبوب لا يوجد إلا في موجود متصف بالإرادة ، كالحق تعالى أو جارية أو غلام ، وما ثمّ من يتعلق به حب المحب إلا من ذكرناه ، فحينئذ يصح أن يحب ما يحب هذا الموجود ، الذي لا يوجد إلا فيه ، فإن اتفق أن يكون ذلك لا يريد ما أحب هذا المحب ، بقي المحب على أصله في محبته محبوبه ، لأن محبوبه ما له إرادة كما قلنا ، فلا يلزم من هذا أن يحب ما أحب هذا الموجود ، الذي لا يحب ما يحبه هذا المحب ، إذ كان ذلك الموجود ما هو عين المحبوب ، وإنما هو محل لوجود ذلك المحبوب ، وليس في قوة المحب إيجاد ذلك المحبوب في هذا الموجود ، إلا إن أمكنه من نفسه ، وأما إن كان المحبوب ممن لا يكون وجوده في موجود ، فلا يتمكن له إيجاد المحبوب البتة ، إلا أن تقوم من الحق به عناية ، فيعطيه التكوين . كعيسى عليه السلام ومن شاء اللّه من عباده . فإذا أعطي هذا ، فبالضرورة يحمله الحب على إيجاد محبوبه ، وهذه مسألة لا تجدها محققة على ما ذكرناه فيها في غير هذا الكتاب ( الفتوحات المكية ) لأني ما رأيت أحدا حقق فيها ما ذكرناه ، وإن كان المحبون كثيرون ، بل كل من في الوجود محب ، ولكن لا يعرف متعلق حبه ، وينحجبون بالموجود الذي محبوبه فيه ، فيتخيلون أن ذلك الموجود محبوبهم ، وهو على الحقيقة بحكم التبعية . فعلى الحقيقة لا يحب أحد محبوبا لنفس المحبوب وإنما يحبه لنفسه ، هذا هو التحقيق ، فإن المعدوم لا يتصف بالإرادة فيحبه المحب له ، ويترك إرادته لإرادة محبوبه ، ولما لم يكن الأمر في نفسه على هذا ، لم يبق إلا أن يحبه لنفسه ، فافهم فهذا من الحب الروحاني المجرد عن الصورة الطبيعية ، فإن تلبّس بها وظهر فيها كما قلنا في الحب الإلهي ، وهو في الروحاني أقرب نسبة ، لأنه على كل حال صورة من صور العالم ، وإن كان فوق الطبيعة ، فاعلم أنه إذا قبل الروح الصورة الطبيعية في الأجساد المتخيلة ، لا في الأجسام المحسوسة التي جرت